⏏️

«كيف شفت حلب؟»

من يحرر يقرر

في آخر زياراتي لحلب في أواخر ٢٠١٠، كان الربيع العربي في تونس ومصر على أوجه. اجتمع المصريون في ميدان التحرير في القاهرة مطالبين بإسقاط النظام. كنت يومئذ في حلب، عند الحلاق، منتظرا دوري ونشاهد الأخبار على التلفاز، وعلق صبي الحلاق أن ميدان التحرير هو «ساحة سعد الله تبعهم» فكان رد الحلاق «سعد الله تشبط رقبتك».

لا يخفى على أي سوري ما مر على سورية وأهلها خلال تلك السنين العجاف منذ ٢٠١٠. ما مر على الشعب والبلد من القتل والنهب والحرق والتهجير والأذى في الأبدان والأموال والعروض. ولا يخفى على أي سوري (مهما كذب) ما كانت فيه سورية في الخمسين سنة السابقة من حكم الجحشين.

هُجِّر أبي وجدي لأمي في الثمانينات من سورية، واستقر بهم المقام إلى السعودية حيث كرمنا الله ونعمنا بالحياة الكريمة لا نشكو من شيء إلا الغربة. وتوفيا كلاهما في الغربة (أبي عام ٢٠١٥ وجدي عام ٢٠٠٩)، غير قادرين على العودة إلى حلب، بعيدين عن بيوتهم وإخوانهم وحاراتهم. وأوذي من أقربائهم ممن في سورية دون أي ذنب سوى القربة في تجارتهم وبيوتهم ووظائفهم. كل ما اختلف علينا وعلى أهلينا بعد ٢٠١١، أن حالنا عمّ على بقية الشعب السوري.

كلما رحبت بنا الروض قلنا حلبٌ قصدنا وأنت السبيل

في الأسبوعين الماضيات، تيسر لي أخيرا العودة إلى حلب. استقبلني موظف الجوازات وقال «لك ١٥ سنة ما نزلت. الحمد لله على السلامة».

citadel

ما واجهني سؤال أصعب ولا أعقد من «كيف شفت حلب؟». استقررت، من باب متابعة الحديث، على جواب ظريف، إن صح التعبير: في شوارع حلب رائحة المشاوي ورائحة الحلو ورائحة الياسمين ورائحة الصنٌة. تجتمع كلها على التوالي.

فيما يلي عدد من الأفكار كتبتها في يومي الأخير في الرحلة، متذكرا ما شاهدت وما جرى.

الصور موجودة في الألبوم المصاحب


شوارع حلب

تجولت في الجميلية والمحافظة وبستان كلاب وتسوقت من التلل والفرقان والمدينة. أكلت من بوظة العطار وهيطلية الأفراح وگاتو عبد القادر كزة (المنتقل لباب جنين) ومامونية مستت وفلافل النزهة وسجق سيرجية (مقابل الحديقة العامة) وشعيبية فستق حلب. وما أكثر الجوامع المليئة والأرصفة العريضة والشوارع المظللة والحدائق الخضراء (رغم إهمالها). ليس في الدنيا مثل حلب.

kezzeh gateau

لكني أيضا شاهدت الفقر والدمار في أقيول والمدينة والجديدة والبندرة. قطعت شارع الجديدة من بدايته لنهايته وليس فيه حجر على حجر. بيت أبي (الحوش العربي) في أقيول مهدم من القصف أولا (وغالبه من الثوار، لقرب الحي من ثكنة هنانو) والزلزال ثانيا. جامع السبيل في المحافظة وجامع التوحيد في العزيزية مآذنهم متهاوية بسبب الزلزال. شارع سيف الدولة مليء من أوله لآخره بالبناء المهدم الآيل للسقوط (ومنه ما سقط واستبدل ببناء جديد.) أجزاء كبيرة من سوق المدينة لا زالت محترقة وأُهمِلت في ترميم عام ٢٠١٩. المباني المقصوفة حول القلعة مثل القصر العدلي وجامع السلطانية بيّنة. كما ترى آثار الرصاص والقصف على القلعة نفسها. في جولة على أطراف حلب تجد الخراب المتصل مد البصر في الليرمون وكفر حمرا والصاخور وميسلون. وهذا فقط حيث مررت ورأيت وزرت أهلي، ولم أمر من مناطق حلب الشرقية التي كانت في أغلبها مع الثوار.

some destroyed building

some other destroyed building

وحتى المناطق الخالية من آثار القصف والزلزال لا تسرّ. أينما ذهبت في حلب تجد أرتال القمامة، لا عدد الحاويات يكفي ولا حجمها يكفي ولا عدد عمال النظافة يكفي ولا عرباتهم تكفي. لا تجد حاوية قمامة (وكثير منها بتبرع ياباني!) إلا وهي مليئة وما حولها على الأرض أكثر مما فيها. وذلك حتى في الأحياء «النظيفة» و«الراقية» مثل حلب الجديدة والزهراء. كل عمال النظافة رجال كبار في السن شارفوا الخمسين والستين لا يقدرون على العمل وأعبائه. وهذا دون ذكر وسخ الناس وقاذوراتهم في الأماكن العامة، فعند المساء تمتلئ ساحة سعد الله الجابري وساحة القلعة بالأوساخ وأوراق الصندويشات وقشور البزر. وأصحاب الدكاكين ينظفون محلاتهم والأرصفة أمامهم، لكنهم يلقون بالأوساخ على مسار السيارات.

japanese trash can


أهل حلب

people around the citadel

قابلت الكثيرين خلال زيارتي القصيرة، من أقارب ومعارف ومعارف أقارب ومقابلات عابرة. ومنهم المؤيد والمعارض والشبيح والثورجي والرمادي والمتلون. اتفق الكل، قولا واحدا، أن وضع البلد مزري، وأن فرص الاستثمار عموما والبناء خصوصا مزدهرة (وهو ما دارت حوله معظم محادثاتي كوني معماري).

من أبين ما وجدت انعدام الثقة بين الحكومة والناس الذين بقوا في حلب (ومناطق النظام عموما). سمعت من الكثيرين أن المناصب الحكومية (مدير المصلحة الفلانية أو المدرسة العلانية) تملأ من «أهل إدلب». يرى الناس أن مسارات التوظيف الحكومي مغلقة أمامهم، بينما تعطى لمن له حظوة عند الحكومة دون اعتبار للمؤهلات الجامعية. والكثير من عناصر الشرطة، ممن تحدثت معهم، في حلب من ريف حلب أو ريف إدلب ولا يعرفون المدينة. سألت شرطي المرور في ساحة سعد الله الجابري عن مبنى الفندق السياحي (وكنا واقفين أمامه) ولم يعرفه! سألت عنصرا في الأمن الجنائي في التلل عن مكان الجدَيدة، ولم يعرف (وكانت في المفرق التالي).

كل من بقي في حلب طُحن طحنا. ابتلع الحرب والنظام والزلزال كل ما لديهم من أمل وأموال. من كان له أموال وعقارات ذهب ما كان لديه من السيولة ليشغل عقاراته. ومن كان موظفا حكوميا آو خاصا ومنزله في مناطق الاشتباك، ذهبت أمواله ومدخراته في إصلاح بيته، عائشين على الكفاف والدَين وصدقات الأقارب. وحدث ولا حرج عن ضرائب وجبايات النظام وعصره المستمر للسكان. انفتاح البلد وتحسن الأوضاع المعيشية، كما تقيسه الـKPIs، لم ينعكس عليهم وعلى معيشتهم. ولا تبذل الدولة الجديدة أدنى الجهود لإرضائهم أو فهم مشاكلهم أو التيسير لأوضاعهم.

إصلاحات الدولة، القديمة أو الجديدة، مقتصرة على الأماكن العامة والشوارع الرئيسية1 دون اهتمام أو دعم للمنازل. كثير من الأماكن لقيت مساعدات من الأمم المتحدة، من منظمات كورية أو فنلندية، في ترميمات صغيرة لأماكن محدودة لم تستمر إلى ما حولها من بنية تحتية ومساكن للناس. مثل خرّاق الجلوم (درج يصعد من الشارع إلى حارات الجلوم)، أو ساحة الحطب في الجديدة التي على طرفها مطعم السيسي المشهور عند السياح الأجانب ولا يعرفه أهل حلب, وسوق الخابية بين باب النصر وطلعة السجن. أما ترميم المنازل والعقارات فمتروك لأصحابها دون أي دعم مادي أو قانوني (في موضوع البيوت الأثرية مثلا مانعة الناس من استخدام المواد الحديثة في ترميم أحواشهم العربية).

kharraq al-jalloum

sahat al-hatab

كثير من موظفي الدولة في النظام البائد، سواء كانوا مدنيين أم عسكريين، قُطعت رواتبهم ومنهم من كانت بيوتهم ممنوحة من الدولة أخذت وأعيدت إلى من كان النظام نهبها منهم. الزيادات لرواتب أساتذة الجامعات لم تنعكس على المحاضرين لأنهم على بند التعاقد (الذي لم يتغير).

ويجدر بالذكر هنا أن المعاملات والإجراءات القانونية لا تزال على تعقيدها السابق. أنا معماري بخبرة خمسة عشر عام، لأسجل في نقابة المهندسين أحتاج لكشف الدرجات والشهادات مختومة من خارجية السعودية والسفارة السورية في السعودية والخارجية السورية للشهادة الإعدادية (شهادة الصف التاسع). ولم؟ هل ستختلف المهنة أو الرتبة إن كنت مقصرا في الرياضيات من عشرين سنة؟ وأنا عضو في هيئة المهندسين السعودية، فأما لهذه العضوية قيمة؟ لفتح سجل تجاري أو شراء عقار، أحتاج إلى توقيع المختار. ومن اختاره؟ من هو المختار أصلا؟

police officer praying in the mosque

في المقابل، ورغم احتجاج الناس بالعكس، إلا أن ثقتهم بالأمن والشرطة عموما عالية. كادت سيارة شرطة أن تصطدم بتاكسي كنت راكبه، فأخذ السائق يقول أن لو الشرطي اصطدم به «بيصلحها غصبا عنه»! أحد المعارف كان موقفا على خلفية حادث سير في حلب الجديدة، وذكر أنهم في السجن كانوا يفطرونهم زيتونا ويغدونهم لحم بعجين! تُنتقد الحكومة علنا وفي أماكن عامة (مثل بهو الفندق) عما يجد الناس من الفساد الإداري والرشاوي وأفضلية التوظيف دون الخوف من أي داخل أو خارج. قطعت حلب من أقيول إلى الزهراء على قدمي نهارا ومساء، وما شعرت بأي خطر أو قلة في الأمن (دون ذكر سرقة السيارات أني لم يكن معي سيارة).


حكومة حلب وإعلامها

تقيس الدولة إنجازاتها بالمعايير والـKPIs والأرقام. أما المواطن البسيط فيقيس إنجازاتها بتحسن وضعه المعيشي> وما ينعكس عليه. ذكر أكثر من قابلت أن وضعهم المادي لم يتحسن بعد التحرير: ما تعطيه زيادة الرواتب تأخذه فواتير الكهرباء والوقود.

سبق الذكر عن تعقيد المعاملات، وهو مما يشمل عموم سورية وليس حلب خصوصا، ولكن محافظة حلب تقصر في الكثير. سبق ذكر القمامة مثلا. تحسين الكثير من المناطق (مثل ما حول مدينة إعزاز) يكون بالمشاركة المجتمعية بدلا من مصاريف الدولة.

أما الإعلام الرسمي وغيره منشغل بالتطبيل للحكومة وإظهار أي قرار لها أنه في مصلحة الوطن والمواطن ويعكس انعكاسات استراتيجية وفهمانية عميقة. لا يتحدث الإعلام إلى الساكنين في مشروع الثلاثة آلاف أو ميسلون أو البياضة ليعرف احتياجاتهم ويظهرها، وإنما يتحدث إلى مغتربين اغتنوا في الخارج وتمنظروا بإطلاق حملة تنظيف الرصيف أمام بيوتهم، ليعودوا إلى المهجر حيث استقر واستوطن تاركا سورية خلفه.

ينبغي تقليل التركيز على الإنستاگرام والتيكتوك وتوجيه الإعلام إلى الحارات والمناطق الفقيرة مباشرة. مثال ذلك باللقاء مع المصلين في المساجد (وهذا مما فعلته حكومة دمشق في دمشق ولم نسمع به في حلب)، والدعوة إلى اجتماعات مع المختار (آنف الذكر) وعموم سكان الحي لسماع همومهم مباشرة. الدولة لا تُدار بنظام إطفاء الحرائق لكن هذا لا يعني أن الحرائق تْترَك. الوصول الإلكتروني على التلفاز ومواقع التقاطع الاجتماعي لا يكفي ولا يصل، فالوجود الفعلي والتواصل الإنساني أهم. هل يستطيع المواطن أن يحمل همه إلى المختار موقنا أن صوته وشكواه تصل إلى المحافظ أو من بيده الحل؟

بدلا من ترميم شارع أو شارعين، ينبغي على المحافظة، أو من تتعاون معه من الجمعيات الخيرية، توفير قروض حسنة ميسّرة للناس لترميم بيوتهم وعقاراتهم مما تضرر من الحرب والزلزال. أو توفير القروض لدعم تركيب الطاقة الشمسية لتخفيف العبء على الشبكة. أو توفيرها لدعم الأعمال والمصانع الصغيرة حتى.

ينبغي للحكومة بكل طبقاتها، بدءا من المختار والمحافظ وانتهاء برئيس الدولة، أن تكسب ود الشعب وثقتهم، وعدم الاعتماد على شعبية أحمد الشرع كلية.


مواقف حلب

سيارة الشرطة

كنت راكبا التاكسي عائدا إلى الفندق عندما كادت سيارة شرطة أن تصطدم بنا رافعةً أنوارها عاكسةً اتجاه السير. مرت الشرطة ومررنا، وحاذى السيارة التي أنا فيها تاكسي آخر وتبادل السائقان التعليق على سيارة الشرطة وأنها غير ملتزمة بالنظام. أثناء الحديث مع السائق عن الموقف، ذكر السائق أنه لو صدمته الشرطة لأصلحوا سيارته «غصبا عنهم». سألته لو يقول نفس الكلام منذ سنتين، فضحك «بيقطعوا راسي من سنتين».

سوق الحدادين

في سوق الحدادين بالقرب من الجامع الأموي استوقفت أحد أصحاب المحلات ممن يشتغل بالعطارة، تصل لحيته إلى سرته، ممازحا إياه أنه ليس حدادا ويجب ألا يكون في سوق الحدادين. فأخذ الممازحة بجدية وذكر أن السوق دُمّر ورُمّم وفقد كثير من المحلات الأصلية محلاتهم ولم تعد أي سوق على حالها. فقلت له «الله ينتقم من اللي كان السبب». فقال آمين. ثم توقف ونظر إليّ بحدة قائلا «بشار الأسد!». متحريا الجدل معي إن خالفته الرأي.

alnasr gate

باب النصر

عند باب النصر سألت أحد أصحاب المحلات أمامه عن الباب وعن أي خطط لفتحه. أجابني أن الباب لن يفتح حتى يوافق جورج بوش. ولما ذكرت أن جورج بوش ترك الرئاسة من أكثر من خمسة عشر سنة، قال أنه لا يزال متحكم بكل شيء خلف الكواليس!


العودة من حلب

mosque of aleppo

كيف شفت حلب؟ لا أعرف كيف أضع ما في قلبي في كلمات. حلب جنة على الأرض عانت من ظلم البشر. عودتي لمدينة أبي وأمي دون خشية الاعتقال والظلم تسوى الدنيا. لكني آسى عليها وعلى أهلها. وأخشى عليها أن تصبح للسياح والأغراب، تاركة أهلها يأكلون التراب.

airport of aleppo

اللهم أنعم على حلب، وعلى أهلها وعلى من فيها ومن أراد لها الخير. إنا إن شاء الله عائدون.


  1. حارات أقيول، دون بيوتها، لقيت عناية خاصة من النظام كونها حارة مفتي البراميل أحمد بدر الدين حسون. وقبرا والده وولده في ساحة جامع أسامة بن زيد لا يزالا على حالهما دون مساس، مع وجود إشاعات أن جبهة النصرة أزالت العظام وتركت الشاهد.